عبد الرحمن بدوي
8
الأخلاق عند كنت
العقل ألا يتجاوزها . وبعبارة موجزة : « الميتافيزيقا هي العلم الباحث في حدود العقل الإنساني » « 1 » . إن تاريخ الميتافيزيقا يكشف عن ساحة صراع بين الجميع ضد الجميع ، والسبب في ذلك هو سعي العقل الانساني لتجاوز حدود كل تجربة ، مما يؤدي به إلى الوقوع في التناقض والتخبط في الظلام . « وساحة هذه المنازعات التي لا تنتهي تسمّى الميتافيزيقا » « 2 » . هذا بينما الرياضيات « من أقدم الأزمنة قد شقت طريقها الأمين للعلم لدى الشعب اليوناني الجدير بالإعجاب » « 3 » . بيد أن البحث في إمكان الميتافيزيقا يقود إلى نتيجتين : الأولى هي أن الميتافيزيقا التي تسعى إلى اكتشاف المعنى الباطن لموضوعات التجربة بطريقة قبلية هي ميتافيزيقا ممكنة ، إنها ميتافيزيقا العلم بالقوانين ، وهي تسلك سبيل العلم اليقيني . أما غير الممكنة فهي الميتافيزيقا التي تسلك مسلكها الدوجماتيقى فتزعم لنفسها القدرة على ارتياد ساحة ما فوق الحسّ بواسطة العقل النظري . وكنت بهاجم هذا اللون الثاني من الميتافيزيقا بعبارات شديدة القسوة ، فيقول عنها إنها « لعب مستهتر بالخيالات بدلا من التصورات العقلية ، وبالكلمات بدلا من الأشياء » ، وهي « نظام شامل من الأوهام والتهاويل » ، « وفيها يغشّى على العقل بالأباطيل والتخيلات « 4 » » . وقد كتب كنت رسالته التي بعنوان : « أحلام عرّاف ، مفسّرة بأحلام الميتافيزيقا » ( سنة 1766 ) تهكما على هذا النوع من الميتافيزيقا . والمغزى الذي قصده من ورائها هو بيان أن « أحلام » الميتافيزيقا ، أعني مباحثها التي تتناول ما فوق المحسوس ،
--> ( 1 ) « مؤلفات كنت » ج 2 ص 375 ، نشرة Hartenstein سنة 1867 - 1868 ، ليبتسك . ( 2 ) « نقد العقل المحض » مقدمة الطبعة الأولى . ( 3 ) « نقد العقل المحض » مقدمة الطبعة الثانية . ( 4 ) « نقد العقل المحض » ، ط 2 ص 7 .